حصار مضيق هرمز ومستقبل أسعار النفط العالمية والذهب ومخاطر الصدمة النفطية

حصار مضيق هرمز ومستقبل أسعار النفط العالمية والذهب ومخاطر الصدمة النفطية
إغلاق مضيق هرمز يضع العالم أمام أخطر صدمة نفطية منذ عقود

مفاوضات مضيق هرمز: توترات جيوسياسية تلوح في الأفق وتداعيات اقتصادية وخيمة

لا تبدو الجولة الثانية من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة وكأنها ستمر بسهولة أو سلاسة، خاصةً في ظل تصاعد التوترات الراهنة. يأتي هذا التصعيد بعد فرض الولايات المتحدة حصاراً بحرياً على مضيق هرمز، وهو ما يتزامن مع أنباء عن نية إيران فرض رسوم على السفن العابرة فيه.

بالرغم من أن الحصار الأميركي قد يبدو كقوة رادعة، إلا أن حقيقته تشير إلى تأثيرات سلبية واسعة النطاق على الاقتصاد العالمي وأسعار النفط. يمر عبر مضيق هرمز يومياً ما بين 20 و21 مليون برميل نفط، وهذا يشكل زهاء 20% من الاستهلاك العالمي. أي اضطراب جزئي في هذا الشريان الحيوي يمكن أن يسبب صدمة عرض فورية بالأسواق.

ما الذي يرفع الأسعار؟

توضح مصادر مطلعة أن هناك عدة آليات تساهم في ارتفاع الأسعار. أبرزها انخفاض مفاجئ في العرض المتاح، بجانب ارتفاع علاوة المخاطر الجيوسياسية في عقود النفط الآجلة. كما يؤدي هذا الوضع إلى انفجار في تكاليف التأمين البحري، مما قد يجبر السفن على إعادة توجيه مسارها عبر رأس الرجاء الصالح، وهذا يزيد المسافة بنحو 40%، وبالتالي ارتفاع الكلفة والمدة. فما هي يا ترى انعكاسات هذا الحصار البحري الواضح؟

صراع الدول الكبرى: أمريكا وإيران

الولايات المتحدة، التي أصبحت مُصدرًا صافيًا للنفط منذ سنة 2019، تجد نفسها في موقف ربما يكون متناقضًا. الخبير الاقتصادي ميشال فياض يشرح أن “فرض الحصار يؤدي إلى ارتفاع الأسعار العالمية مما يعزز إيراداتها النفطية، تحديدًا النفط الصخري والغاز الطبيعي المسال”. لكنه بنفس الوقت، يضرّ بالمستهلك الأميركي، الذي سيعاني من ارتفاع أسعار الوقود والتضخم. يرى فياض أن الأثر الصافي على المدى القصير يبقى إيجابيًا من الناحية الطاقوية، لكن الخطر الأكبر هو احتمال التصعيد العسكري وما يمكن أن يترتب عليه من تداعيات لا يمكن التكهن بها.

من جهة أخرى، يرى فياض أن إيران ستكون الدولة الأكثر تعرضًا للمخاطر. فصادراتها النفطية، التي تتراوح بين 1.8 و2 مليون برميل يوميًا ومعظمها للصين، تعد العمود الفقري لميزانيتها. لذلك، فحصار فعال يعني خنقًا اقتصاديًا سريعًا، سيؤدي إلى انهيار العملة، وتضخم مفرط، واضطرابات اجتماعية. في هذا الجانب، تقدير “غروكس” صحيح، فهذا السيناريو يُعد تهديدًا وجوديًا للنظام.

الصين في قلب الأزمة

تتلقى الصين ما بين 37% و38% من تدفقات النفط المارة عبر مضيق هرمز، ويأتي نصف وارداتها النفطية من الشرق الأوسط. هذا يجعلها أكبر مستورد عرضة للخطر، يؤكد فياض. لكن بكين تملك نقاط قوة عديدة. أبرزها الاحتياطيات الاستراتيجية التي تغطي ما بين 5 و7 أشهر، إضافة إلى تنويع مصادر الإمداد عبر روسيا وخط أنابيب Power of Siberia وإفريقيا. كما أنها تملك قدرة سياسية على التفاوض لإعادة توجيه الإمدادات مع الرياض أو أبوظبي. يختتم فياض بأن الخطر الحقيقي بالنسبة للصين هو جيوسياسي، فالقبول السلبي لحصار أميركي قد يضعف مصداقيتها لدى شركائها. لذلك، من المرجح حدوث مواجهة دبلوماسية، وربما بحرية، غير مباشرة.

توقعات أسعار النفط

يشير فياض إلى أن التقديرات الواقعية لأسعار النفط، في حال حصول حصار قصير الأمد (أسبوعين إلى أربعة أسابيع)، ستتراوح بين 100 و120 دولارًا للبرميل بالنسبة لخام برنت. أما إذا طال الحصار ليتراوح بين شهرين وثلاثة أشهر، فسيتراوح سعر برميل النفط بين 130 و160 دولارًا، مع إمكانية حدوث ارتفاعات مضاربية تتجاوز هذه المستويات. لعل العامل الذي قد يخفف من الارتفاع هو الإفراج عن الاحتياطيات الاستراتيجية لوكالة الطاقة الدولية واحتياطي النفط الأميركي، بجانب قدرة السعودية على زيادة الإنتاج وتصديره عبر مسارات أخرى مثل خط الأنابيب نحو البحر الأحمر.

الذهب كملاذ آمن

لن تقتصر تداعيات الحصار البحري على النفط وحسب، بل ستمتد لتشمل الذهب أيضاً. سيتأثر الذهب بمحركين أساسيين. الأول هو الملاذ الآمن الجيوسياسي. وتشير مصادر إلى أن “أي تصعيد عسكري في الشرق الأوسط سيدفع المستثمرين تلقائيًا نحو الذهب، وهذا يحدث بشكل شبه فوري”. أما المحرك الثاني فهو التضخم المستورد، أي أن ارتفاع أسعار النفط ينتقل إلى بقية الأسعار كالنقل والصناعة والغذاء، مما يؤدي إلى تآكل القيمة الحقيقية للعملات ويزيد جاذبية الذهب كملجأ للقيمة.

تضيف المصادر أن هناك عامل ثالث غالبًا ما يُقلَّل من أهميته، وهو إذا تردد البنوك المركزية في رفع أسعار الفائدة تخوفًا من تعميق الركود الاقتصادي، فإن الذهب يستفيد من بيئة الفوائد الحقيقية المنخفضة أو السلبية، وهي البيئة الأكثر ملاءمة له تاريخيًا. تشير التقديرات إلى ارتفاع بنسبة 10% إلى 20% لأسعار الذهب إذا استمر الحصار. وفي حال تصعيد طويل الأمد مع مخاوف ركود عالمي، فإن ارتفاع يتجاوز 20% إلى 30% ليس مستبعدًا.

الوضع لا يتعلق بمضيق هرمز وحده، بل بتوازن النظام الطاقوي العالمي بأكمله. فالممر الذي يمر عبره خُمس نفط العالم ليس مجرد ممر بحري، بل هو الشريان الحيوي للاقتصاد الدولي. أي محاولة لإغلاقه أو التحكم به تعني عمليًا إدخال الأسواق في حالة صدمة فورية، تمتد آثارها من أسعار الطاقة إلى التضخم ونمو الاقتصاد العالمي بأسره.

لكن الخطر الأكبر ربما لا يكمن في الأرقام وحسب، بل في منطق التصعيد نفسه. حين تتحول الممرات البحرية إلى أدوات ضغط جيوسياسي، يصبح الاقتصاد العالمي رهينة التوترات العسكرية. عندها لا يعود السؤال كم سيبلغ سعر النفط، بل إلى أي حد يمكن للصراع أن يتسع، ومن سيدفع الثمن الأكبر في عالم مترابط يعتمد على تدفق الطاقة أكثر من اي وقت مضى.