تعيش كرة القدم الإيطالية واحدة من أحلك فتراتها التاريخية، حيث لم يعد الأمر مقتصرًا على الإخفاقات الميدانية فحسب، بل امتد ليشمل انتقادات لاذعة من أساطير اللعبة الذين يرون في “الأزيوري” نموذجًا للتراجع الفني والإداري. وفي هذا السياق، فجر الأسطورة الألمانية يورجن كلينسمان موجة من الجدل بتصريحاته التي حلل فيها أسباب السقوط المدوي للمنتخب الإيطالي وفشله في حجز مقعد بـ “مونديال 2026”.
زلزال الغياب الثالث توالياً عن كأس العالم
صدمة وطنية كبرى يعيشها الشارع الرياضي في إيطاليا بعدما تأكد غياب المنتخب الوطني عن نهائيات كأس العالم المقبلة المقرر إقامتها في كندا، الولايات المتحدة الأمريكية، والمكسيك. وجاء هذا الخروج المرير إثر الخسارة في نهائي الملحق الأوروبي أمام منتخب البوسنة والهرسك بركلات الترجيح، بعد انتهاء الوقتين الأصلي والإضافي بالتعادل الإيجابي بهدف لمثله.
هذا الإخفاق يمثل النسخة الثالثة على التوالي التي يفشل فيها بطل العالم أربع مرات في الوصول إلى المحفل العالمي الأكبر، بعد غيابه الصادم عن نسختي 2018 في روسيا و2022 في قطر. هذا التقهقر يضع علامات استفهام كبرى حول مستقبل المنظومة الكروية في بلاد “الكالتشيو” وكيف تحول “سيد الدفاع” إلى فريق يعجز عن تخطي عقبات الملحق أمام منتخبات أقل تصنيفاً وتاريخاً.
نقد لاذع: يامال وموسيالا في “السيري ب”
في تصريحات نقلتها صحيفة “آس” الإسبانية، وضع يورجن كلينسمان إصبعه على الجرح الذي ينزف في جسد الكرة الإيطالية، مشيراً إلى أن العقلية السائدة هناك تقتل المواهب الشابة. واعتبر كلينسمان أن النظام الكروي الإيطالي يفتقر تماماً للثقة في اللاعبين الصغار، ضارباً المثال بالنجم الإسباني الصاعد لامين يامال والجوهرة الألمانية جمال موسيالا.
وقال كلينسمان في هذا الصدد: في إيطاليا، كان من المرجح جداً أن ينتهي المطاف بمواهب مثل لامين يامال وموسيالا باللعب في دوري الدرجة الثانية “السيري ب” بحجة اكتساب الخبرة، بدلاً من الدفع بهم في الصفوف الأولى للفرق الكبرى. وأضاف أن إيطاليا تدفع حالياً ثمن غياب القادة الميدانيين واللاعبين الذين يمتلكون حلولاً فنية مبتكرة، وهو نتيجة طبيعية لبيئة لا تسمح للموهبة بالانفجار في سن مبكرة.
العائق التكتيكي وثقافة “تجنب الخسارة”
ولم يتوقف النجم الألماني السابق عند انتقاد إدارة المواهب، بل امتد تحليله ليشمل الفلسفة التدريبية السائدة في إيطاليا. ويرى كلينسمان أن “الثقافة التكتيكية” التي طالما كانت مصدر فخر للإيطاليين، باتت تشكل عائقاً أمام التطور. وأوضح أن المدربين في إيطاليا لا يزالون يعملون بمنطق “تجنب الخسارة” عوضاً عن الهجوم والسعي للفوز بأي ثمن، مما أدى إلى جمود فني جعل المنتخب عاجزاً عن مجاراة التطور السريع في الكرة العالمية.
وعبر كلينسمان عن حزنه الشخصي لما آلت إليه الأمور، قائلاً: لقد عانيت كثيراً مع أصدقائي الإيطاليين في لوس أنجلوس، وفي الليلة التي تلت المباراة وخسارة التأهل، واجهت صعوبة بالغة في النوم. هذه التصريحات تعكس حجم المأساة الرياضية التي تخطت حدود إيطاليا لتصبح حديث الأوساط الكروية العالمية.
تحليل: هل تحتاج إيطاليا إلى “ثورة شاملة”؟
بناءً على هذه المعطيات، يبدو أن الأزمة الإيطالية ليست مجرد كبوة عابرة، بل هي أزمة هيكلية تتطلب ثورة في المفاهيم. إن غياب “الأتزوري” عن ثلاث نسخ متتالية من كأس العالم (12 عاماً من الغياب) يعني ضياع أجيال كاملة وفقدان الهيبة الدولية. وتظل التساؤلات قائمة في أروقة الاتحاد الإيطالي: هل حان الوقت للتخلي عن “الكاتيناتشو” القديم وتبني سياسات شبيهة بالدوري الإسباني أو الألماني في تصعيد الناشئين؟ التجربة أثبتت أن حماية الموهبة خلف قضبان “الخبرة” لم تعد تجدي نفعاً في كرة قدم تعتمد اليوم على السرعة والجرأة الشبابية.
