تصدّر المشهد الرياضي في إسبانيا حالة من الغضب الرسمي والشعبي العارم، في أعقاب الأحداث المؤسفة التي شهدتها المباراة الودية التي جمعت بين المنتخبين المصري والإسباني مساء أمس الثلاثاء. وتأتي هذه المواجهة في إطار تحضيرات الطرفين لخوض غمار منافسات كأس العالم المرتقبة صيف العام المقبل، والتي ستُقام بتنظيم مشترك بين الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا.
ورغم انتهاء المباراة بالتعادل السلبي على الصعيد الفني، إلا أن النتيجة الرياضية تراجعت أمام صدمة الهتافات العنصرية التي أطلقتها فئة من الجماھير المتواجدة في المدرجات، والتي استهدفت الدين الإسلامي بشكل مباشر. هذه التصرفات أثارت موجة من الاستنكار الواسع في الوسط الكروي والسياسي الإسباني، وسط مطالبات بضرورة التصدي بحزم لأي مظاهر كراهية تشوه صورة الرياضة والتعايش.
تحرك رسمي عاجل وإدانة حكومية واسعة
تفاعلت الحكومة الإسبانية بشكل سريع مع الواقعة، حيث عبر خوسيه مانويل رودريجيز أوريبس، رئيس المجلس الأعلى للرياضة، عن صدمته مما حدث. وفي تصريحات شديدة اللهجة عبر حسابه الرسمي، استشهد أوريبس بمقولة الفيلسوف ألبير كامو حول الأخلاق المكتسبة من كرة القدم، مؤكداً أن الرياضة لا تتوافق بتاتاً مع كراهية الأجانب أو التعصب. وشدد المسؤول الإسباني على أن تلك الهتافات العنصرية التي سُمعت في المباراة لا يمكن تبريرها أو غض الطرف عنها، واصفاً إياها بأنها أمر “لا يطاق”.
ولم يقتصر الرد على الجهات الرياضية فحسب، بل امتد ليشمل وزارة التربية والتعليم الإسبانية. حيث أصدرت الوزارة برئاسة ميلاجروس تولون بياناً رسمياً أكدت فيه أن هذه السلوكيات غير مقبولة بتاتاً، وأنها تمثل أقلية لا تعبر عن الغالبية العظمى من المشجعين في إسبانيا الذين يعتبرون الملاعب مساحة للاحترام المتبادل. وأوضحت تولون في رسالة لاحقة أن الرياضة بمفهومها الشامل تقوم على الجهد والموهبة والتضامن، مشيرة إلى أنه لا مكان للكراهية أو العنصرية في الملاعب أو في المجتمع الإسباني الحديث.
ليلة العار وردود أفعال الصحافة العالمية
من جانبها، لم تكن الصحافة الإسبانية أقل حدة في انتقاد ما جرى، حيث وصفت صحيفة “ماركا” الشهيرة ما حدث بـ “ليلة العار”، مشيرة إلى أن مثل هذه التصرفات تسيء لسمعة الكرة الإسبانية قبل استحقاق المونديال. كما أشارت التقارير الصحفية إلى حالة الاستياء التي سادت أروقة المنتخبين، وسط دعوات لفتح تحقيق موسع لتحديد المتسببين في هذه الهتافات وضمان عدم تكرارها في المستقبل.
إن تكرار حوادث العنصرية في الملاعب الأوروبية بات يمثل تحدياً حقيقياً للهياكل التنظيمية للعبة. ويرى مراقبون أن الصرامة التي أبدتها الحكومة الإسبانية في هذا الموقف تعكس رغبة حقيقية في حماية القيم الرياضية، خاصة وأن إسبانيا تستعد لاستضافة وتسويق نفسها كوجهة رياضية عالمية. فالمطلوب الآن لا يقتصر على الإدانة اللفظية، بل يمتد ليشمل إجراءات تأديبية ملموسة تعيد الاعتبار لروح اللعبة وللمنتخب المصري وجماهيره، وتؤكد أن كرة القدم ستظل دائماً وسيلة للتقارب لا التنافر.
