أثار التباين في رؤية هلال شهر رمضان المبارك بين الدول الإسلامية تساؤلات عديدة لدى المسلمين حول العالم، وتحديداً فيما يخص “ليلة القدر”. فمع اختلاف بدايات الصيام من دولة إلى أخرى، يصبح اليوم الحادي والعشرون في بلد ما هو اليوم العشرين في بلد آخر، مما يفتح باب النقاش حول حقيقة توقيت ليلة القدر وهل هي ليلة واحدة ثابتة للجميع أم تختلف باختلاف المطالع.
حقيقة وقوع ليلة القدر مع اختلاف مطالع الشهور
أوضح علماء الدين والفقهاء أن اختلاف المطالع وتعدد بدايات الشهور الهجرية بين الدول لا يؤثر على تحصيل ثواب ليلة القدر، التي تتنزل فيها الملائكة، وهي ليلة واحدة في علم الله تعالى وفي وقتها الكوني، لكن الشارع الحكيم أمرنا بتحريها في الأوتار من العشر الأواخر من رمضان.
وبناءً على ذلك، فإن المسلم في أي بقعة من الأرض مطالب بالاجتهاد في العشر الأواخر التي تبدأ عنده وفقاً لرؤية بلده، فإذا كانت الليلة وترية في بلد وزوجية في بلد آخر، فإن فضل الله واسع، ومن اجتهد في طلبها صادقاً أصابها بإذن الله، لأن العبرة بامتثال أمر الله في الوقت الذي ثبت شرعاً في حقه بصيامه وقيامه.
آراء الفقهاء في ليلة القدر وتعدد الأقاليم
تؤكد الفتاوى الشرعية أن اختلاف الدول في تحديد غرة رمضان لا يمنع أحداً من إدراك ليلة القدر، ويمكن تلخيص هذه الرؤية الشرعية في النقاط التالية:
- التوقيت الزمني والكوني: ليلة القدر ليلة زمنية تبدأ من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وهذا التوقيت يمر على كل بقعة في الأرض في وقتها الخاص.
- الاجتهاد في العشر الأواخر: الحكمة من إخفاء موعد ليلة القدر هي دفع المسلمين للاجتهاد في كافة ليالي العشر الأواخر، سواء كانت الليالي وترية أو زوجية، للخروج من دائرة الخلاف.
- فضل الله الواسع: رحمة الله وفضله لا يحدهما حساب فلكي أو رؤية بصرية، فالمسلم يؤجر على عبادته في الوقت الذي حددته له السلطات الشرعية في بلده.
كيف يتحرى المسلم ليلة القدر في ظل اختلاف الرؤية
ينصح العلماء دائماً بعدم حصر العبادة في ليلة واحدة فقط (مثل ليلة السابع والعشرين)، بل يجب توزيع الجهد على كافة ليالي العشر الأواخر، ويصبح الأمر أكثر أهمية عند حدوث اختلاف في الرؤية، حيث قد تكون الليالي الزوجية في بلدك هي ليالي وترية في بلد مجاور، مما يجعل الاجتهاد في العشر ليالٍ كاملة هو الضمان الأكيد لإدراك هذه الليلة المباركة التي هي خير من ألف شهر.
يُذكر أن ليلة القدر تمتاز بعلامات روحانية وكونية، مثل سكون الليلة وطمأنينة القلب فيها، وطلوع الشمس في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها، وهي علامات يمكن ملاحظتها بغض النظر عن الحسابات التاريخية لليوم.
