تشهد أروقة نادي برشلونة الإسباني حراكاً فكرياً ورياضياً واسعاً حول كيفية إعادة صياغة العلاقة مع أسطورة النادي التاريخية، الأرجنتيني ليونيل ميسي. وفي هذا السياق، برزت تصريحات لافتة لكل من خوان لابورتا، الرئيس الحالي للنادي، وفيكتور فونت، المنافس السابق على الرئاسة، تعكس تبايناً في وجهات النظر حول طبيعة العودة المرتقبة لـ “البرغوث” إلى معقله التاريخي في “كامب نو”.
خلفيات الرحيل الصادم ومعوقات العودة
تعود جذور الأزمة إلى الخامس من أغسطس عام 2021، حين أعلن نادي برشلونة رسمياً رحيل ميسي بعد مسيرة أسطورية دامت 21 عاماً. ولم يكن الرحيل نتاج رغبة فنية أو شخصية، بل جاء نتيجة “عقبات مالية وهيكلية” فرضتها لوائح سقف الرواتب في الدوري الإسباني. ورغم التوصل لاتفاق مبدئي حينها، إلا أن الديون المتراكمة التي ناهزت المليار يورو حالت دون تسجيل العقد الجديد، مما دفع ميسي للانتقال إلى باريس سان جيرمان في مشهد درامي لا تزال آثاره واضحة على هوية الفريق وجماهيره.
رؤية لابورتا: تكريم تاريخي دون عودة للملاعب
في تصريحاته الأخيرة، رسم خوان لابورتا ملامح تكريم ميسي، مشدداً على أن اللاعب يمثل المرجع التاريخي الأول للنادي الكتالوني. وأعلن لابورتا صراحة عن رغبته في إقامة تمثال برونزي للنجم الأردنتيني في محيط ملعب “سبوتيفاي كامب نو” بعد اكتمال أعمال تطويره، ليكون شاهداً دائماً على إنجازات اللاعب الذي حطم كافة الأرقام القياسية بقميص “البلاوغرانا”.
ومع ذلك، وضع لابورتا حداً للتكهنات حول عودة ميسي كلاعب، موضحاً أن فكرة ارتداء ميسي لقميص الفريق مجدداً ليست مطروحة ضمن الحسابات الفنية الحالية. وأشار رئيس النادي إلى ضرورة التعلم من التجارب السابقة التي لم تحقق النجاح المطلوب عند استعادة النجوم في مراحل متأخرة من مسيرتهم، مؤكداً أن النادي يفضل الحفاظ على صورة ميسي الأسطورية مع التركيز على بناء مستقبل الفريق بعناصر شابة.
مشروع فونت: المصالحة عبر ثلاث ركائز
من جانبه، طرح فيكتور فونت مشروعاً أكثر شمولية يهدف إلى معالجة ما وصفه بـ “الجرح المفتوح” لدى الجماهير. وترتكز رؤية فونت على ثلاث ركائز أساسية؛ تبدأ بمنح ميسي دوراً مؤسسياً رفيعاً كـ “رئيس شرفي” للنادي، وهو منصب يمنحه نفوذاً أدبياً وتاريخياً يضاهي مكانة كبار الأساطير في الأندية العالمية الكبرى.
أما الركيزة الثانية فتركز على الجانب العاطفي والمصالحة مع القاعدة الجماهيرية، في حين تتضمن الركيزة الثالثة خطوات إجرائية للتكريم، تشمل إقامة حفل رسمي في الجمعية العمومية، وتدشين تمثال خاص، وتنظيم مباراة وداع عالمية تليق بمسيرة اللاعب. ويرى فونت أن قضية ميسي ستظل مصدر قلق للنادي ما لم يتم إغلاق الملف بطريقة تليق بحجم العطاء الذي قدمه اللاعب طوال عقدين من الزمن.
تحليل: مابعد ميسي وصراع الهوية الكتالونية
بين تمثال لابورتا ومنصب فونت الشرفي، يظهر جلياً أن برشلونة يبحث عن “صيغة توازن” تضمن الحفاظ على إرث ميسي دون المساس بالهيكل الفني الجديد للفريق تحت قيادة هانزي فليك. إن هذه التصريحات تعكس إدراكاً عميقاً بأن ميسي ليس مجرد لاعب سابق، بل هو جزء من القوة الناعمة للنادي، وأن استعادة العلاقة معه هي ضرورة استراتيجية واقتصادية لتسويق هوية النادي عالمياً في المرحلة القادمة.
