تحل اليوم ذكرى استثنائية في سجلات الكرة المصرية، حيث تعيد للأذهان مشهد العودة التاريخية لبعثة المنتخب الوطني من بوركينا فاسو قبل 28 عاماً، محملة بلقب كأس الأمم الأفريقية 1998. تلك الرحلة التي لم تكن مجرد عودة لفريق رياضي، بل كانت احتفالاً وطنياً جسد تلاحم الشعب مع “أبناء الجوهري” بعد رحلة من التحديات والمشككين، انتهت باعتلاء منصة التتويج للمرة الرابعة في تاريخ الفراعنة.
ملحمة العودة واستقبال الأبطال في القاهرة
في مثل هذا اليوم، تحولت شوارع العاصمة المصرية إلى ساحات احتفال كبرى، حيث احتشدت الجماهير منذ الساعات الأولى للصباح أمام مطار القاهرة وفي الميادين الرئيسية. ومع هبوط طائرة المنتخب القادمة من “واجادوجو”، انفجرت طاقات الفرح بين الآلاف الذين رفعوا لافتات فخر واعتزاز كان أبرزها “الأبطال يعودون” و”مصر فوق الجميع”، في إشارة واضحة إلى الروح القتالية التي ميزت الفريق طوال منافسات البطولة في أدغال القارة السمراء.
لم يكن الاستقبال رسمياً فحسب، بل كان شعبياً بامتياز، حيث اصطفت الجماهير على جانبي الطريق لمرافقة حافلة المنتخب، في مشهد يعكس القيمة المعنوية الكبيرة التي يمثلها قميص المنتخب الوطني في نفوس المصريين، خاصة وأن هذا الجيل نجح في استعادة الهيبة الأفريقية بعد غياب دام 12 عاماً عن منصات التتويج منذ نسخة 1986.
ليلة السقوط العظيم لـ “بافانا بافانا” في النهائي
وبالعودة إلى تفاصيل المباراة التاريخية التي جرت في 28 فبراير 1998، فقد قدم “الفراعنة” عرضاً تكتيكياً رفيع المستوى أمام منتخب جنوب أفريقيا القوي، الذي كان حينها حامل اللقب والمرشح الأبرز. ونجح المنتخب المصري في حسم اللقاء مبكراً بهدفين نظيفين؛ حيث افتتح “الصقر” أحمد حسن التسجيل بتسديدة مخادعة، قبل أن يعزز طارق مصطفى التقدم بهدف من جملة تكتيكية من ركلة حرة مباشرة، نفذت بدقة متناهية تحت إشراف “الجنرال” الراحل محمود الجوهري.
تميز هذا المنتخب بصلابة دفاعية وهجوم كاسح بقيادة الهداف التاريخي حسام حسن، الذي تقاسم لقب هداف البطولة مع الجنوب أفريقي بيني مكارتي برصيد سبعة أهداف لكل منهما، مما جعل تتويج مصر في تلك النسخة مستحقاً فنياً ورقمياً، بعد أن واجه الفريق أصعب الخصوم وتغلب على الظروف المناخية الصعبة في بوركينا فاسو.
إرث الجوهري وصناعة المجد الكروي
تعتبر بطولة عام 1998 علامة فارقة في مسيرة الكرة المصرية، حيث شهدت صناعة التاريخ من قبل الراحل محمود الجوهري، الذي أصبح أول شخص في تاريخ القارة السمراء يفوز باللقب الأفريقي لاعباً في عام 1959 ومدرباً في عام 1998. هذا الإنجاز وضع حجر الأساس لجيل ذهبي واصل العطاء لسنوات طويلة، وأكد على فلسفة “الجنرال” في الانضباط التكتيكي والاعتماد على الروح القتالية.
إن إحياء ذكرى هذا اليوم ليس مجرد استحضار للماضي، بل هو استلهام للدروس في كيفية بناء المنتخبات الوطنية القادرة على مواجهة الضغوط والعودة بالذهب. ويظل جيل 98 محفوراً في ذاكرة الجماهير كواحد من أكثر الأجيال التي جمعت بين الموهبة الفطرية والالتزام الخططي، ليظل لقب “بوركينا فاسو” واحداً من أغلى الألقاب في التاريخ الكروي المصري.
